تلك المساحات الخضراء
بتقاطعاتها المائية التي تنساب صفاء
وتحمل جمالا للأنفس المغرقة في تعبها اليومي
أخذت من الطفولة بيرقا يلوح كلما
تهنا نبحث عنه
لذاك لا أعجب أني يكون المكان الوحيد عندما يتغلل في جسدي الإحساس بالضيق
أن تكون ساعات المشي بين المزارع
والجلوس في فضائها الأخضر راحتي العظيمة
إنها رابط الطفولة الذي أوجعتني شقاوتي فيه
صباحا حين يتسابق الناس إلى أعمالهم كل بنية معينة
يتسابق الأطفال بنية الفرح المطلق
بتلك القلوب البيضاء
نحو المزرعة الكبيرة
لم يرحموا شجرة العنب التي أتظلل بها ساعات التجمع العائلي في المزرعة
نسامر أشجار الليمون التي تناقصت
وتتكسر سيقان المشمش بين أيدينا شقاء
نغمس أجسادنا الغارقة في المرح في الحوض نسابق فيه
لحظاتنا
نخشى أن تفوتنا اللحظة فتضيع منا
ننسى الضربات التي تجلد بها أرواحنا
ولكن تبقى لحظة الإلتماس بالماء
لحظة حب وديعة
لا عجب أن قدوم الوادي يعني لنا الخير المترقب
تعودنا أن نضع الحصى بألوان مختلفة في سراديب الفلج المطل على الشريعة
حيث كنا نحمل الماء العذب في جحال لنمشي بها
مسافات طويلة
نتعمد أن نضع تلك الحصيات البريئة في السرداب ونلعب لعبة
من يكون الشجاع ؟
الشجاعة لم تكن من يكسب الموقف بحكمة ؟
كانت في قاموسنا هو القوي الذي لا يخاف أن يتوغل ذلك السرداب
كي يجلب الحصية من حيث يدرك أن الأفعى أو العقرب يتربص به
وتتعالى الصرخات فرحا وخوفا ووجعا
ثم نلهو ببرودة الماء وننسى الذي كان
أولسنا أطفالا ؟
في بعض العطلات كنا نجتمع في ما نسميها مزرعة المال أو مزرعة الشريعة
التجمعات الأسرية برغم كونها خروجا عن الروتين اليومي لجو البيت وعمل الغداء في المزرعة
إلا أنه ظل تكليفا آخر للعمانيين الغارقين حتى النخاع في حب العمل في المزرعة
كانت الطفولة تسلب شيئا فشيئا ما إن نصل هناك
القدور التي تطهو الطعام والتي نقتنص الفرص حتى نتسلل لنتذوق بعضا منها
نصبر معدتنا الملهوفة للغداء قليلا
كان جدي يغتنم فرصة تجمعنا ليقيم لنا مسابقة بأسلوب تقليدي بسيط
لكنها من جدي لها طعم آخر
كان يقسمنا لفريق البنات والأولاد
ويعطينا جواني خالية
ثم يأمرنا أن نتتبع أثر روث الإبل اليابس ونجمعه كسماد للتربة من أجل الزراعة
ومن يستطيع أن يملي الجونية أولا له مبلغ معين نتقاسمه بيننا
علمنا جدي من هذا التسابق اللطيف الذي نسرح فيه في محيط مزرعتنا وما ورائه بمتعة فريدة
التركيز
فالمكان من حولنا فضاء واسع قد يجذبنا إبل نراه أو حمار أو مزرعة ما أو شيء محبب للطفولة
لكن وضع الهدف أمامنا والبدء فيه يعجل بملئنا لجونيتنا
لذلك كنا بالطبع فريق البنات من يفوز
لأن الذكور جلبوا على حب الحرية والكسل
فيرجعون وجوانيهم أنصافها
ولا ينسى جدي أن يعاقبهم بطريقة أخرى في عمل من أعمال المزرعة
تلك الطلعات العائلية جعلتنا نلجأ غليها نحن الشباب
والفتيان والفتيات لوحدنا
في الجبال وفي المزرعة كانت لذتها تختلف
لأننا كنا ننظمها بمسابقات بيننا معظمها ثقافية
وكنا نتلذذ بأقصاب السكر ومن يكسره
ونشوي السمك أو الدجاج تحت الرمل ونتمتع بلذته


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق